الملاحظات


المنتدي السياسي منتدى حواري سياسي خاص لمناقشة المواضيع السياسية .

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-04-2012   #1
شريك فعال
 
رقم العضوية : 20149
تاريخ التسجيل : Mar 2009
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 56
عدد النقاط : 10
قوة التقييم : سودانى231 is on a distinguished road
جهات الاتصال :

سودانى231 غير متواجد حالياً


أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ
">
افتراضي الســودان يعيـــد إنتـــاج أزمــاتــه


ذهب جدل علماء الاجتماع البشري وكبار مفكري المؤرخين مذاهب شتى في الجدل حول نظرية «إعادة التاريخ لنفسه» أو تكرار أحداث التاريخ على تعاقب الحقب الإنسانية، وتباينت تفسيراتهم لهذه الظاهرة، إلا أنهم اتفقوا جميعاً على أمر واحد أن الحكمة تهدي اللاحقين للتعلم من دروس الماضي والاستفادة منها للعمل من أجل مستقبل أفضل، والفشل في تدبر السوابق من أجل استخلاص العبر والعمل بمقتضى ذلك تحسباً للعواقب يكشف عن خلل خطير في إدارة شأن الدول لا تلبث أن تدفع الأمم ثمناً باهظاً للغفلة عن عظات التاريخ، ولئن ذهب مارك توين إلى القول بأ? «التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن بعضه يقتفي أثر بعض»، فإن برنارد شو يعتقد أنه «إذا كان التاريخ لا يعيد نفسه، وأن غير المتوقع يحدث دائماً، فإن ذلك يكشف إلى أي مدى يبلغ عجز الإنسان الذي لا يستطيع التعلم من التجربة».
هذا عن التاريخ، الذي يعتقد بعض مفكريه أن دائرة تكراره تحدث مرة بعد كل ثلاث حقب أو مراحل، أي بعد أن يكون مضى زمان طويل قد يكون كافياً لينسى من لا يتعظون من عبر حوادث الدهر، فما بالنا نعيد إنتاج أزمتنا الوطنية ودروس تجاربنا لا تزال حاضرة وماثلة أمام أعيننا لم تبارح بعد محطة الواقع المأزوم المشهود، ولم تختبئ بعد في تلافيف ذاكرة خربة حتى يلفها النسيان وتحتاج لاجتهاد وكد لتذكرها والاعتبار بها، ويبدو أن حالنا أصبح في عداد من نعى عليهم القرآن الكريم عدم الاتعاظ ليس بعبر التاريخ والماضي البعيد، بل عدم التعلم حتى م? سقطات الحاضر والواقع المعاش، ويقول عزَّ من قائل «ألا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون»، ودعك مما يقوله المؤرخون، فما من كتاب مثل كتاب الله العزيز حضَّ على تدارك أسباب هلاك من سبق من الأمم، وقد احتشدت آياته بسيرتها وعظات تجاربها.
والغرق في تفاصيل ما يحدث في النيل الأزرق، وفي ما لا تزال تداعياته تجري في جبال النوبة، لا يغني عند النظر للرؤية الكاملة في قراءة مشهد الحالة الوطنية في ما نحن مقبلون عليه، وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي سيقت لتفسير الوقائع المجردة ومجريات الأحداث والتطورات العسكرية التي قادت إليها، فإن النتيجة العملية والواقعية لذلك هو أن ما تبقى من دولة السودان، بعد التقسيم وفصل الجنوب، وقع في فخ الحرب الأهلية مجدداً بأسرع مما كان يظن حتى أكثر الناس تشاؤماً، وهو على أية حال لم يكن مستبعداً أصلاً وقد حذر المحللون من ?دوثه، ولم يكن الأمر مجرد تكهنات سياسية، فقد كانت أكثر المواقف تحسباً لهذه الحالة الراهنة ما توقعه الرئيس عمر البشير حين أعلن في تصريح عميق الدلالة قبل أشهر من نهاية الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل، من أن أسوأ السيناريوهات المحتملة أن ينفصل الجنوب، ولا يتحقق السلام وتعود البلاد إلى المربع الأول، مربع الحرب، وما أدراك ما الحرب.
ولذلك ليست بذي نفع ولا تجدي كثيراً التصريحات الرسمية المتواترة التي تحاول إثبات ما لا يحتاج إلى إثبات أصلاً لتبرير المواجهات العسكرية التي اندلعت في ولاية النيل الأزرق وقبلها في جبال النوية، إذ لا حاجة أصلاً للتحجج بالتنقيب في نيات ما كانت تنطوي عليه سرائر الحركة الشعبية لإيجاد ذرائع سياسية لما حدث، فالحركة الشعبية لم تعلن أبداً أنها تخلت عن مشروعها السياسي لتغيير خريطة الدولة المركزية السودانية حتى وهي تظفر بجنوب السودان خالصاً، ولئن فهم البعض هنا وروجوا لما زعموا من أن فصل الجنوب سيكتب السطر الأخير في مأ?اة عدم الاستقرار التي عاشتها البلاد منذ ما قبل حقبة الاستقلال، وسينهي الحروب الأهلية بجرة قلم، وسينعم ما تبقى من السودان بصفاء العرق والدين خالصاً من شركاء متشاكسين، لئن أغرقوا أنفسهم والبلاد والعباد في هذا الوهم اللذيذ الذي لا يدرك شيئاً في سياسة الأمم، ولم يفتح الله عليهم بشيء في باب نظريات الأمن القومي للدول فتلك هي خطيئتهم التي لا تغتفر، وليس بأي حال خطأ ولا ذنب الحركة الشعبية التي ليس من مسؤوليتها بث الوعي السياسي عند خصومها، والواقع أن بعض قادة الحركة الشعبية الشماليين أعلنوا صراحة وجهاراً منذ وقت طو?ل، قبل أكثر عام على الأقل من التقسيم، أن جنوباً جديداً بمفهومه الجغرافي ومدلولاته وأجندته السياسية المعلومة في المشهد الوطني السودان، سينشأ بعد حصول الحركة الشعبية الأم على كيكة الجنوب وحدها، وهو ما يعني صراحة أن الحركة الشعبية عندما أصرَّت إبان جولات مفاوضات السلام الماراثونية على جعل مستقبل المناطق الثلاث في صلب أجندة عملية السلام، كانت تدرك أنها إنما كانت تثبت «مسمار جحا» في خاصرة الشمال مما يعطيها الحق ليس للتطفل عليه فحسب، بل أن تجعل منها حصان طروادة الذي تتخذه وسيلة لتنفيذ مشروعها في خلق سودان جديد ك?ملاً، وقد حصلت عليه منقوصاً بموجب اتفاقية السلام.
حدوث السيناريو الأسوأ، تقسيم السودان وعودة الحرب الأهلية، بهذه العجلة المتسارعة يكشف عن عمق الهوة في التفكير الاستراتيجي والفرق في براعة التفاوض والقدرات عند طرفي مفاوضات السلام، والواقع أن الأمر أبعد من أن يقتصر على تكتيكات التفاوض ودور المفاوضين بشخصياتهم، بل بمدى وضوح الرؤية المستقبلية والمواقف الاستراتيجية والحسابات السياسية عند الحزبين المتفاوضين، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وهو ما يتبين عند قراءة كتاب «هجوم من أجل السلام في السودان» البالغ الأهمية للوزيرة النرويجية السابقة هيلدا جونسون التي كانت ?ريبة بما يكفي من قادة الطرفين لإيراد تفاصيل دقيقة وأسرار مثيرة عن خلفيات ومجريات عملية التفاوض والمواقف والتنازلات التي قدمت حتى اكتملت رحلة قطار نيفاشا، ولعل أهم ما تكشف عنه روايتها، وهي رواية أوردتها على ألسنة أبطالها وأثبتت مراجعها في كتابها ومضت ثمانية أشهر على صدورها لم يصحح أحد ما ذكرته مما يجعل لروايتها صدقية، أن هدف المؤتمر الوطني الأساسي من التفاوض كان العمل من أجل إقامة تحالف سياسي مع الحركة الشعبية يضمن له الاستمرار في الإمساك بالسلطة في الشمال، مقابل سيطرة الحركة الشعبية على الجنوب، في صفقة تحق? صيغة تحفظ وحدة فضفاضة للبلاد، والتقطت الحركة الشعبية ذلك لتستخدمه في تمرير أجندتها تحت غطاء قبولها بهذه الصفقة، ولذلك بدا أن التنازلات التي قدمها المؤتمر الوطني بما فيها بروتكول الترتيبات الأمنية والعسكرية، وإدراج المناطق الثلاث كان رهان الغرض منه إغراء الحركة الشعبية بإبقاء الجنوب في سودان موحد وفق هذه التركيبة السياسية المغامرة، ولكن الحركة الشعبية مارست الابتزاز السياسي على طريقة شرلوك هولمز، المرابي الطماع، ابتلعت الجنوب ريثما يتيسر لها أن تبتلع المزيد انطلاقاً من المناطق الثلاث.
ليس في ما أوردنا آنفاً شيء من البكاء على اللبن المسكوب، لكنه تذكير ضروري بأن النهج الذرائعي في تعاطي المؤتمر الوطني مع الأجندة الوطنية استبانت كارثيته بأسرع مما كان يتوقعه حتى أشد خصومه السياسيين، فقد تسببت أوهام الذي كانوا يظنون أن التخلص من الجنوب سيكون نزهة ستحقق الأمن والاستقرار للشمال في إعادة إنتاج الأزمة الحاضرة بمأزقها، ولم تنتظر حتى تكتمل دورة التاريخ وتغيب عبرته ليعيد نفسه، والحقيقة أن الانجرار إلى عسكرة الأزمة السودانية واستعادة أجواء الحرب وارتهان البلاد ومواردها الشحيحة لآلة الحرب وتكرار مناظر?النازحين البائسين الفارين من لعلعة الرصاص في نشرات أخبار الفضائيات العالمية، هو عين ما كانت تحلم به الحركة الشعبية التي تريد أن يحتفظ العالم له بصورة البلد الذي لا تنتج حكومته إلا الحروب والكوارث الوطنية، ولم تكن لها أية مصلحة أن ينعم ما تبقى السودان بتحسين صورته بحسبانه صانع سلام، وأنه في سبيل ذلك لم يتوان حتى في تقسيم البلاد، وتبددت سريعاً صورة نظام الحكم الذي قبل بسلام وبديمقراطية تصوير فصل الجنوب بأنه نتاج ممارسة ديمقراطية.
فالحركة الشعبية تدرك، ويعلمنا التاريخ وواقعنا المعاش، أن السلاح لم يكن في أي يوم ماضياً في حسم أيٍ من أزماتنا الوطنية، ودونك قضية الجنوب وحربها الطويلة وتضحياتها الكبيرة، فقد حصلت بالتفاوض على ما لم تحصل به في ميادين القتال، بل سجل التاريخ سابقة غير معهودة في سيرة الأمم حين انسحبت القوات المسلحة، بعد كل تضحياتها الجسام، من أرض لم تخسرها في معركة عسكرية، وكان الدرس البليغ أن أية قوة عسكرية لا يسعفها فعل سياسي استراتيجي بعيد النظر يجعل أية تضحيات تقدم تضيع هباءً وتصبح بلا معنى.
وتعلمنا دروس واقعنا الراهن أن قضية دارفور، بعد كل الاستهانة بها لأول أمرها بفعل الآلة السياسية الرسمية التي حاولت الترويج بأنها لا تعدو أن تكون من فعل «شرذمة قليلون» من شذاذ الآفاق وقطاع الطرق، لم يحسمها السلاح بل فاقهما حتى غدت ما نعرفه اليوم من آثارها الغليظة، عشرات الآلوف من الجند الأجانب يذكروننا كل يوم اننا بلد لا يملك من سيادته شيئاً وإن تظاهر بغير ذلك، واكتفت الإدارة السياسية للدولة بحرب دونكشوتية حول لون قبعات الجنود زرقاء أممية أو خضراء أفريقية، وكأن ذلك يغير من الحقائق السياسية المرة، وأصبحت الحك?مة تطارد شرذمة المتمردين من عاصمة أجنبية إلى أخرى جرياً وراء تفاوض عبثي وتوقيع اتفاقيات سلام لا حصر لها، لم توقف حرباً ولم تحقق سلاماً. وهكذا جاءت حرب أبيي لتسلم البلاد إلى استجلاب المزيد من القوات الأجنبية، وها هي استعادة الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق تنذر بتدخلات دولية تلوح في الأفق.
فإذا كان ذلك كله لا يكفي واعظاً، من تجاربنا الحاضرة وليس تجارب غيرنا، فمتى يا ترى تتوقف عملية الهروب إلى الأمام بحثاً عن حسم عسكري مستحيل ليس عن عجز القوات المسلحة، ولكن لأن طبيعة الأزمة سياسية وليست عسكرية، وأن علاجها الناجع في إقامة نظام سياسي قادر على استيعاب تطلعات الأمة بكل مكوناتها في الحرية، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والمساواة، واحترام تنوعها وتعددها في إطار نظام ديمقراطي مكتمل الأركان يحقق مقتضيات هذه القيم ويجتث جذور أزماتنا من أساسها، ولا يجعل لناقم سبيلاً إلى التمرد، ولا يلتف عليها بأية مبررات أو ?واعٍ واهية، نظام يدير شأن الأمة بمقتضى الحكمة، لا بمقتضى الهوى والإثرة.
لقد كان حدث تقسيم السودان زلزالاً سياسياً بكل ما تعنيه الكلمة، وكان الظن أنه سيكون كافياً ليرد للطبقة الحاكمة وللجماعة السياسية السودانية وعيها المفقود، وكانت فرصة تاريخية مع مأساويتها للجلوس لمراجعات عميقة تضع يدها على تشخيص حقيقي لأزمتنا وتجري جراحة أكثر عمقاً تبتر أسباب فشلنا السياسي من جذوره، نتعظ فيها من تجربتنا المريرة التي كلفتنا تقسيم وطننا العزيز، ولكن للأسف الشديد لا يبدو أننا نسينا شيئاً أو تعلمنا شيئاً، لنعيد تجريب المجرب، ومعلوم مصير من يفعل ذلك، فسوف تحيق به الندامة ولات ساعة مندم.


   
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


 

 المقرن: منتدى سوداني تم تأسيسه في العام 2005 كملتقى للتواصل والحوار الهادف
لكل السودانيين علي شبكة الانترنت للنقاش والتفاكر حول كافة القضايا والموضوعات التي تتعلق بالسودان



الساعة الآن 05:53 AM.


جميع الحقوق محفوظة - شبكة المقرن - 2005 - 2014

قوانين منتديات المقرن

جميع الآراء والتعليقات المطروحة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر منتديات المقرن

تطوير وإستضافة: هوسترتك لتقنية المعلومات