يلا نرجع للبلد
لطالما ظل الجميع يتساءل عن سبب حال السودان المؤلم وسبب تراجع كل شيء فيه دون الوصول إلى جواب شافي.قال بعضهم هو نقص الموارد والامكانات وقال البعض الآخر إنها الأطماع الأجنبية وقيل أيضا أنها الحرب أما الغالبية العظمى فتلقي اللوم على النظام وسياساته التي أدت لكل هذه الفوضى
ربما كانت المشكلة هي كل ذلك.. السؤال الأهم هو: ما الحل؟
نظريا قام المحللون والخبراء السياسيون و الاجتماعيون والاقتصاديون وغيرهم بتحليل المشاكل ودراستها دراسة دقيقة كما وضعوا الكثير من الاقتراحات والتصورات للحلول التي بإمكانها حل ولو جزء بسيط من المشكلة إلا أن كل ذلك ظل على صفحات الجرائد والكتب لا يجد أحيانا كثيرة حتى من يفهمه ولم ينتقل أبدا ليصبح شيئا عمليا ينفذ..
ربما كان لذلك أسباب كثيرة أيضا إلا أن منظمة اليونسكو لخصت كل ذلك في شيء واحد فقط شيء واحد هو الذي يقف عائقا في طريق التنمية والتطور شيء واحد أساسي يمنع بلداننا من النهوض مرة أخرى وهو الهجرة إلى الخارج.
وصفت منظمة اليونسكو الهجرة إلى الخارج بالنزيف إذ أن بلداننا نزفت ولاتزال تنزف أبناءها القادرين على تنميتها والنهوض بها وأصبحت في حال من الاعياء والتعب كحال الجسد الذي تعرض لنزيف حاد ففقد كل مقومات الحياة .
لقد تبرع وطننا الحبيب بدماءه لأوطان أخرى فنهضت وتقدمت في حين أصيب وطننا بالإعياء والتخلف.
تقول احصائيات غير رسمية أن عدد السودانيين خارج السودان قد بلغ حوالي 10 ملايين سوداني، عشرة ملايين منهم من عاصر فترة الازدهار في السودان وتلقى أفضل تعليم وحصل على أفضل الشهادات الجامعية فعمل بها في الخارج لعشرات السنين ومنهم من ولد وترعرع في دول المهجر. منهم المعلمون والأطباء والمهندسون والعلماء والطلبة ومنهم أنت ومنهم أنا.
إن كان للوطن دين لابد أن يسترد أليس هؤلاء هم من يجب أن يردو دينه؟
كيف لنا أن نشير بأصابع الاتهام هنا وهناك وننسى أنفسنا كيف لنا أن نتهم الآخرين بالتقصير في حين أننا أيضا مقصرون. ما الذي ننتظره وما الذي يمنعنا من تقديم ولو الشيء البسيط لبلدنا؟ أهي قلة العدد ونحن 10 ملايين، أم هي قلة المؤهلات والكادر السوداني هو من أفضل الكوادر في دول العالم؟ أم هو عدم الاحساس بالمسؤولية تجاه الوطن وانعدام الوطنية والجري وراء المصالح الشخصية فقط؟ إذا فلا فرق بيننا وبين من نتهمهم بالتقصير. نقول أن الحكومة والنظام هم سبب العلة ووجودهم لن يسمح لنا بأن نصلح أي شيء أو نقدم أي شيء للوطن. ربما كانوا سبب العلة ولكنهم اليوم ليسو العلة نفسها فالعلة هي الفساد والفوضى وهذه ليست متمثلة في شخص أو شخصين أنها في البيوت و في الشوارع و في المدارس والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وفي الجامعات وحتى المساجد ودور العبادة أنها في كل مكان هي أكبر منهم بكثير ولن تزول بزوالهم وأداءنا لواجبنا ضروري سواء في وجودهم أو عدمه؟ فلم لا نبدأ الآن؟
هنا تظهر مشكلة أخرى أو بالأصح عذر آخر وهو أن العودة للوطن تعني أن نلقي بأنفسنا وأسرنا إلى التهلكة وذلك بأن ننضم لصف العاطلين عن العمل ونصبح نحن أيضا عالة على المجتمع و نعرض أطفالنا لمستقبل مجهول حيث الفساد وتدني التعليم والعناية الصحية وغيرها فلا ننفع بلداننا ولا حتى أنفسنا. وهنا جاءت فكرة يلا نرجع للبلد لتقول أن باستطاعتك أن تنفع وتقدم للبلد دون أن تترك عملك ومكان استقرارك بالخارج.
الفكرة كما ذكرنا كثيرا من قبل موجودة أصلا وليست جديدة فهناك الكثير ممن يقوم بها رغم وجوده واستقراره خارج السودان. حيث يقوم بعض الأطباء و المعلمون وغيرهم في فترة تواجدهم في قراهم ومدنهم في السودان بعمل مشاريع مختلفة كخيم للعلاج الجاني أو فصول محو أمية أو قوافل صحية وغيرها. رغم أن ذلك لفترة قصير قد لا تتجاوز الشهر أو الشهرين كل سنة إلا أنها ذات أثر كبير جدا. فهي من ناحية توفر خدمات مجانية لمن لا يملك القدرة على الحصول عليها سواء لأسباب مادية أو لصعوبة التنقل من المناطق البعيدة للمدن الكبيرة أو لعدم العلم بوجود مشكلة أصلا. فبعض أولئك الذين لم يتلقوا التلعيم لا يدركون أهميته وبالتالي فلن يسعوا للحصول عليه حتى ولو كانو قادرين على ذلك ومشاريع كهذه تفتح الطريق لمثل هؤلاء لبداية مشوار تعليمي والأمثلة كثيرة. ومن جانب آخر فإن مثل هذه المشايع ستعيد ارتباط السوداني ببلده وذلك بالعودة المنتظمة كل عام أو عايمين للسودان حيث يقضي بعضهم عشرات السنين دون أن يزور السودان ولو لمرة واحدة دون وجود سبب مقنع وراء ذلك.
فلم لا نبدأ القيام بمثل هذه المشاريع ولكن بصورة منظمة وجماعية هنا تأتي الحجة الثالثة وهي أن مشروع كهذا لن يرى النور لما سيواجهه من العقبات الحكومية وسوء الظن وعدم التعاون ولا يجب أن نضيع أوقاتنا وجهودنا في شيء فاشل لا محالة. فسأقول أنه ليس هنالك من مجهود فاشل فالله سبحانه وتعالى قال" أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى" وقال تعالى :" إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا" وقال تعالى : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" والآيات كثيرة ونحن نقرأ القرآن ثم نقول (صدق) الله العظيم أفلا نعني ما نقول ألسنا نصدق الله فعلا فيما يقول؟ أما عن العقبات فليس هنالك من شيء يتم في هذه الدنيا دون عقبات وأول عقبة في هذا الموضوع هو هذا الاستباق للأحداث أي أن كل من يتعذر بهذا العذر هو في الحقيقة يضع العقبة الأولى له. أما من يستهين بنفسه وقدراته في المشاركة في أمر كهذا ويشرع بتعميم ذلك على الجميع واتهام الشعب السوداني بالكسل والسلبية وعدم الجدية فسأقول له دعك من الجميع وكما قال غاندي كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.
لنجرب فليس هنالك ما نخسره وليس الوقت والقليل من الجهد بكثيرين على السودان هذا البلد الذي- رغم الانفصال ورغم كل ما آلت إليه الأمور اليوم- لازال يتمتع بتميزه وتنوع الثقافات به وموارده الطبيعية والبشرية ولا أزال أتذكر تلك الصديقة في المدرسة الاعدادية التي طلبت مني أن أساعدها في أمر ما فقلت لها انني لا أجيد فعل هذا الشيء فقالت لي لا بل تجيدين أنتم السودانيون تجيدون كل شيء. ربما كان الانفصال وكل ما آلت إليه الأمور اليوم شيئا محبطا ومؤلما ولكن لم لا نحوله لنقطة بداية جديدة ونعيد بناء السودان من جديد.
|